gototopgototop
Get Adobe Flash player

ترجم الموقع إلى لغتك

من كتاباتي

  • الموت في المفهوم المسيحي
  • المفهوم المسيحي للعشاء الرباني
  • نؤمن بإله واحد
  • عودة المسيح ثانية ودينونة العالم
  • الزواج في المسيحية
  • المفهوم اللاهوتي للثورة
  • الثالوث في المسيحية توحيد أم شرك بالله

ابحث في الموقع

رأيك يهمنا

هل تعتقد أن الأعمال الحسنة والأخلاق الجيدة تؤدي بالإنسان إلى الجنة؟
 

زوار من كل مكان

free counters

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 23 زائر متصل
الرئيسية دراسات كتابية دراسات في شخصيات القديسة العذراء مريم ــ عدد مرات زيارة هذه الصفحة: 641
-

الفتاة التي تطوبها الأجيال

القديسة العذراء مريم تقف في كل أجيال التاريخ في نقطة المركز من دائرته، لقد اختارتها نعمة الله لتصبح رابطة بين السماء والأرض، بين الفردوس المفقود والفردوس المردود، وفي شخص وليدها ومن اجله، ألا نعظم الله معها، ألا نعظم الله من أجلها، ألا نشترك مع جميع الأجيال في تطويبها،

فنقول مع أليصابات : "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِي ثمَرَةُ بَطْنِكِ" (لوقا 1: 42).

من هي مريم؟

مريم اسم عبري معناه "مُر"، ويحتمل أنه اسم مُشتق من كلمة "مريامون" الهيروغليفية، وفي الآرامية فإن اسم "مريم" يعني "أميرة أو سيدة"، وقد جاء هذا الاسم لأول مرة في الكتاب المقدس لمريم أخت موسى وهرون، وقد تسمت القديسة العذراء بهذا الاسم "مريم"، الذي انتشر بعد ذلك مرتبطاً بمكانتها وشخصيتها.

يعود نسب القديسة العذراء مريم إلى زربابل، من عائلة وبيت داود، وهذا ما يؤكده البشير لوقا في كتابته لبشارة الملاك لها حين كلًّمها قائلاً "فَقَالَ لهَا المَلاَكُ لاَ تخَاَفيِ يَا مَرْيمُ لأَنْكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلَدِينَ ابْناً وَتُسَمْيِنَهُ يَسُوعَ، هَذَا يَكُونُ عَظِيماً وَابْنُ العَليِّ يُدْعَىَ وَيُعْطِيِه الرَّبُّ الإِلَهُ كُرِسِيِّ دَاوُدَ أَبِيِه، وَيمَلُكَ عَلىَ بَيْتَ يَعْقُوبَ إِلىَ الأَبَدِ وَلاَ يَكُونُ لمِلُكِهِ نهِاَيةٌ" (لوقا 1: 30 – 33).

ومن الدراسة المتأنية نجد أن البشير لوقا يؤكد هذه الحقيقية، أن العذراء مريم ووليدها يَعُودَان لسبط يهوذا، وبالتحديد بيت داود، فنراه يسجل بشارة الملاك جبرائيل لها مُبرزاً حقيقة أن المولود منها هو ابن داود، وهذا ما هو واضح في قول زكريا الكاهن "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لأَّنَهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فيِ بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ" (لوقا 1: 68، 69).

نستطيع أيضاً أن نتعرف على بعض أفراد عائلتها، فنعرف أنه كان لها أخت جاء ذكرها في بشارة يوحنا عند حادثة الصلب حيث "كَاَنَتْ وَاِقَفَاتً عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ وَأُخْتُ أُمِّهِ مَريمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا وَمَرْيمْ المجَدْلَّيِةُ" (يوحنا 19: 25). وأنها أيضاً نسيبه أليصابات (لوقا 1: 36)، أم يوحنا المعمدان.

كانت الخطبة في الشريعة اليهودية عهداً أبدياً لا ينفصم، وما الزفاف إلا حفل تنتقل فيه الفتاة من بيت أبيها لبيت رجلها، ووفقاً لهذه الشريعة كانت الفتاة المخطوبة بمثابة زوجة لخطيبها، ولو مات خاطبها أثناء فترة الخطبة وقبل الزفاف تُعتبر الخطيبة أرملة خاضعة لشريعة الزواج من أخي الزوج (تثنية 25: 5-10)؛ ولم يكن ممكناً للفتاة أو عائلتها أن يفُضَّا علاقة الخطوبة هذه إلا بكتاب أو وثيقة طلاق، كما أن هذه العادات أو الشريعة ما كانت لتسمح بوجود علاقة جسدية بين الخطيب وخطيبته قبل إعلان حفل الزفاف وإلا اُعتبرا في حُكم الزناة.

وفقاً لهذه الشريعة، كانت العذراء مريم مخطوبة لرجل من بيت داود، اسمه يوسف (لوقا 1: 27)؛ كان يوسف رجلاً باراً، فحين عَرِفَ بأمر حبل خطيبته، لم يشأ أن يُشِّهرَ بها، وأراد تخليتها سراً، لكن فيما هو مُتفكر في هذه الأمور جاءته بشارة الملاك قائلة "يَا يُوسُفْ ابْنَ دَاَوُدَ لاَ تخَفْ أَنْ تَأخُذَ مَرْيمَ امْرَأَتُكَ، لأَنَ الَّذِيِ حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (متى 1: 20).

لم تكن العذراء مريم، أو يوسف رجلها من العائلات الغنية، فيوسف نجار بسيط، وحين جاءت ساعة ولادتها، لم تجد غير المذود لتلد فيه، وحين أرادا أن يقدما الطفل يسوع في الهيكل حسب عادة الناموس، وعن تطهيرها حسب الشريعة، لم يحملا معهما إلا زوج  يمام، أو فرخي حمام، وهي تقدمة الفقراء.

العذراء الفتاة الطاهرة

كانت الفتاة الصغيرة العذراء مريم، تعيش في مدينة تدعى الناصرة، وهي مدينة في الجليل، لم تكن ذات أهمية، وقد كانت بلدة محتقرة، وأقل ما يقال عنها أنها بلدة شريرة ومدينة آثمة لا يمكن أن يأتي منها شيئاً صالحاً، وهذا ما قاله نثنائيل حين عَرَف أن يسوع من الناصرة فقال "أَمِنَ الَنَاصِرَةِ يمُكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيءٌ صَالحٌ" (يوحنا 1: 46).

في هذا الوسط عاشت العذراء مريم، لكنها كانت كالنور الذي يشع وسط الظلام، كانت فتاة طاهرة، نقية الأخلاق، تحيا حياة القداسة، حسب دعوة الله "وَتَكُوُنُونَ ليِ قِدِّيِسِينَ لأَنيِ قُدُّوسٌ أَنَا الْرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزتُكُم مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُوُنوا ليِ" (لاويين 20: 26). كانت في علاقة حيه، وصحيحة مع الله.

كانت تعرف الكتب المقدسة وتحفظ منها الكثير، وحين ترنمت بأنشودتها العذبة كانت تستمد كلماتها مما في ذاكراتها، وقد كانت كلمات تَغَّنت بها حنة، وترَّنم بها كاتب المزامير.

 إلى هذه الفتاة جاءت نعمة الله، لتدعوها لتكون أُماً للمسيح، ابن الله، الذي اشتهت الأجيال أن يُولد فيما بينها، وتمنت النساء أن يأتي منهن، ويالها من نعمة تلك التي تأتي من الله لتختر إنساناً، وتمنحه ما لا يستحق، فالنعمة هي أن يُمنح شخصاً شيء لا يستحقه، وما كان للإنسان أن يدخل في علاقة صحيحة مع الله، ما لم يتدخل الله بنعمته ليصنع طريقاً من خلال تجسد ابنه يسوع المسيح فنستطيع أن نصبح أولاداً لله.

جاءت شهادة الله لحياة الطهارة والنقاء التي للعذراء مريم بين جميع النساء فيما قاله الملاك جبرائيل، إذ بدأ كلامه معها "وَقَالَ سَلاَمٌ لَكِ أَيْتَهُا المُنَعمِ عَلَيْهَا، الرَّبُّ مَعَكِ، وَقَالَتْ مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ " (لوقا 1: 28).

لم تتمالك أليصابات نفسها حين زارتها العذراء مريم، وامتلأت بالروح القدس "وَصَرَختْ بِصَوتٌ عَظِيمٌ وَقَالَتْ مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِي ثمَرَةُ بَطْنِكِ فَمِنْ أَيْنَ ليَّ هَذَا أَنْ تَأْتيَ أُمُّ رَبيِ إِليَّ، فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوُتُ سَلاَمِكِ فيِ أَذُنيَّ ارْتَكَضَ الجَنِينُ بِابتِهَاجٍ فيِ بَطْنيِ، فَطُوبىَ للَّتيِ آَمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيَلَ لهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبَّ" (لوقا 1: 42- 45).

كانت حياة العذراء مريم تختلف عن كثيرات من بنات زمانها، فلم تساير أهل بلدتها، بل كانت تعيش حياة النقاء، وحياة الاتصال الدائم بالله، والشركة معه، والارتباط بكلمته المقدسة، فكانت شهادة السماء لها في شخص الملاك جبرائيل، واختيار الله لها لتكون أم المسيا، وكانت شهادة الأرض لها في شخص يوسف خطيبها فيما أراد ألا يُشَهِر بها، وشهادة قريبتها أليصابات.

العذراء الفتاة الخاضعة

يتجلى خضوع العذراء مريم في قبولها لمشيئة الله، فهي الفتاة المخطوبة، التي لم تعرف رجلاً بعد، تأتيها بشارة الملاك لتُخبِرها بأن إختيار السماء وقع عليها، لتكون أُماً لابن الله، يسوع المسيح، وبالرغم من أن هذا الأمر كان مشتهى النساء، وقد كن يتمنين أن يحملِّن بهذا الوليد، وأن تصبح أماً للمسيا المنتظر، إلا إنهن ما توقعن أبداً أن يأتي اختيار السماء لفتاة عذراء، في بلدة بسيطة، لا يعرفها أحد، وهذا ما حدث مع العذراء مريم، فقد اختارتها نعمة الله، لتكون سبيله للتجسد وولادته بين البشر، كان الأمر صعباً، ويبدو مستحيلاً قَبُولَه، فكيف يرى الناس فتاةً مخطوبة، لم تتزوج بعد، لكنها حُبلى ‍! ماذا تقول لخطيبها ؟ كيف يتقبل هذا الأمر مهما كانت شهامته؟. إن الشريعة اليهودية آنذاك تعتبر هذا الأمر زنا، وعقوبة الزنا هي الرجم، فكيف تفسر الأمر لمجتمعها بأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس؟ وهل ترى يصدِّقون، أم ماذا يحدث؟.

كل هذه الأسئلة كانت ستتوارد لفكر أي فتاة أخرى في موقف العذراء مريم، وقد يمكن أن لا تقبل هذا الأمر، لكن ما حدث مع العذراء القديسة مريم  هو أنه في كل خضوع وتسليم لمشيئه الله، وقناعة باختياره، قَبِلَت هذا الأمر، وحين سألت الملاك "كَيْفَ يَكُـونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُـلاً؟." (لوقا 1: 34)؛ لم يكن ليس تساؤل الخائف، أو غير المؤمن، بل كان تساؤل من يريد أن يعرف، فكيف لعذراء أن توجد حُبلى، وتلد ابناً، دون أن يَمسسها رجل، أو أن تعرف رجلاً؟.

وقد أجاب الملاك جبرائيل مُعطياً تفسيراً للعذراء، قائلاً "الرُّوحِ الْقُدُسِ يحَلُّ عَلَيِكِ وَقُوَّةُ العَليِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضَاً القُدُّوسُ المَولُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لوقا 1: 35)؛ وكشف ملاك الرب ليوسف خطيبها أمر الحبل المقدس حين جاءه في حُلمٍ قائلاً "يَا يُوسُفْ ابْنَ دَاَوُدَ لاَ تخَفْ أَنْ تَأخُذَ مَرْيمَ امْرَأَتُكَ، لأَنَ الَّذِيِ حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ فَسَتَلِدُ ابْنَاً وَتَدْعُو اسمَهُ يَسُوعَ لأَّنَّهُ يخُلَصَ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ، وَهَذَا كُلَّهُ لِكَيِ يَتِمَ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَبيِّ الْقَاِئلِ هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تحَبَلُ وَتَلِدُ ابْنَاً وَيَدْعُّونَ اسمَهُ عِمَّانُوِئيلَ الْذَّيِ تَفْسِيرَهُ اللهُ مَعَنَا" (متى 1: 20 – 23).

كان خضوع العذراء وتجاوبها مع دعوة الله لها، هو الطريق الذي هيأ به الله جسداً له ليدخل منه إلى العالم (عبرانيين 10: 5).

وكما بدأ الملاك كلامه مع العذراء بالتحية، إبعاد الخوف عنها بقوله "لا تخافي .."، أنهى معها حديثه بخبرٍ مشجع،  عن قريبتها أليصابات، حين أخبرها قائلاً "وَهُوذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيَبُتكِ هِيَ أَيْضاً حُبلَىَ بِابْنٍ فيِ شَيْخُوخَتِهَا وَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ المَدْعُـوَّةِ عَاقِراً لأَنَّهُ لَيِسَ شَيءٌ غَيْرَ ممُكِنٍ لَدَى اللهِ" (لوقا 1: 36 – 38).

كان قَبُول العذراء مريم لرسالة الملاك، ما يجعلها في تَميّز واضح عن سارة، المرأة المتزوجة، العاقر، حين سمعت رسالة الله بولادة ابن لها في شيخوختها، ضحكت، لأنها أعتبرت أن الوقت فات لحدوث مثل هذا الأمر (تكوين 18: 9-15)، وزكريا الكاهن حين ظَهر له ملاك الرب، خاف واضطرب، حتى بعدما بشَّره الملاك بأن الله قد سَمِع لطلبته وسوف يُعطى ابناً، لم يُصدِق، فكيف وهو شيخ، وامـرأته متقدمة في الأيام أن يكون له ولدٍ؟. (لوقا 1: 12-18).

أما العذراء مريم فحين سمعت البشرى السارة، لم تَخف، ولم تضطرب، ولم تشك، بل قالت في كل خضوع وإيمان "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ ليِ كَقَوْلِكَ" لقد قبلت رسالة الله لها حتى وهي في ظروف بشرية مستحيلة.

إن الله قادر أن يعمل المعجزات، وما نراه مستحيلاً علينا، لا يستحيل عليه، لكنه يتطلب منا أن نتجاوب مع ما يطلبه منا لا بالضحك، أو الشك، لكن بالقبول والخضوع ليحقق أعماله العجيبة.

العذراء الفتاة الوديعة المتواضعة

لقد تميَّزت القديسة العذراء مريم بالوداعة والتواضع، فحين جاءتها البشرى بمولد يسوع المسيح، ابن الله، من خلال حَبلِها المقدس، لم تتفاخر أو تتنفخ، بل بكل وداعة وتواضع قالت للملاك "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ ليِ كَقَوْلِكَ" (لوقا 1: 38)؛ وحين قامت وذهبت لزيارة أليصابات وسمعت هتاف أليصابات مباركة إياها، قائلة "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِي ثمَرَةُ بَطْنِكِ فَمِنْ أَيْنَ ليَّ هَذَا أَنْ تَأْتيَ أُمُّ رَبيِ إِليَّ .. فَقَالَتْ مَرَيْمُ تُعَظِمُ نَفْسِيَ الَرَّبَّ وَتَبْتَهِجَ رُوحِي بِاللهِ مخُلِّصيِ لأَنَهُ نَظَرَ إِليَ إِتِّضَاعِ أَمَتَهُ فَهُوَذَا مُنْذُ الآنِ جمَيِعَ الأَجَيْاَلِ تُطَوِّبُنيِ لأَنْ القَدِيرَ صَنَعَ بيِ عَظَائِمَ وَاسمَهُ قُدُّوسٌ" (لوقا 1 : 41 – 49).

*  تأتي الوداعة حين يُدرِك الإنسان قيمته الحقيقية أمام الله، وحين يدرك أنه خاطئ لا يستحق إلا الموت كنتيجة طبيعية لخطيئته، وحينما يرى هذا الإنسان ما يجزله له الله من عطاء وسخاء وغفران، فإن الموقف الطبيعي هو الشكر والتسبيح لله على أعماله ونعمته، ورحمته، وعطاياه.

 إن ما حدث مع العذراء مريم حين بشَّرها الملاك بولادة المسيا، منها لم يجعلها تتباهى فخراً، أو أن تنسب لنفسها استحقاقاً لاختيار الله لها، بل بكل وداعة قالت "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ ليِ كَقَوْلِكَ"، وحين هتفت أليصابات منشدة أنشودتها في العذراء قائلة ""مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِي ثمَرَةُ بَطْنِكِ " كان تجاوب العذراء معها هو "تُعَظِمُ نَفْسِيَ الَرَّبَّ وَتَبْتَهِجَ رُوحِي بِاللهِ مخُلِّصيِ لأَنَهُ نَظَرَ إِليَ إِتِّضَاعِ أَمَتَهُ ".

لقد كانت العذراء مريم تُدرك أن إختيار الله لها إنما هو نعمة أسبغتها عليها رحمة القدير، وخصَّتها بها، وفي لحظات فرحها وإنشادها لم تنس إحسانات الله لها، فترنمت لله الذي خلّصها، واختارها لتكون أما ليسوع، القدير الذي صنع بها عظائم "فَقَالَتْ مَرَيْمُ تُعَظِمُ نَفْسِيَ الَرَّبَّ وَتَبْتَهِجَ رُوحِي بِاللهِ مخُلِّصيِ لأَنَهُ نَظَرَ إِليَ إِتِّضَاعِ أَمَتَهُ فَهُوَذَا مُنْذُ الآنِ جمَيِعَ الأَجَيْاَلِ تُطَوِّبُنيِ لأَنْ القَدِيرَ صَنَعَ بيِ عَظَائِمَ وَاسمَهُ قُدُّوسٌ. وَرَحمَتَهُ إِلىَ جِيلِ الأَجَيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُـَونَهُ" (لوقا 1: 49).

 * إن الوداعة هي الطريق لإعلان الإنسان عن سر ابتهاجه وفرحه الحقيقي أمام الله، فتأتي أناشيد الشكر، والترنم بالتسبيح في حضرة الله كأجلى بيان عن عظمة نعمة الله، كما أنها الطريق لربح محبة الأخرين وإقامة علاقة سليمة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهي أسلوب حياة يدعونا السيد المسيح لنتعلَّمه منه، أسمعه يقول ".. تَعَلْموُا مِنْي لأَنيِ وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ القَلّبِ فَتَجِدُوا رَاَحَةً لِنُفوسِكُمْ" (متى 11 :29).

 

عرفت العذراء مريم الوداعة والتواضع فعرفت كيف تحيا في علاقة حية مع الله، وأن تعلن للآخرين حياة المحبة التي تمجد الله.

مريم أم يسوع

مريم أم يسوع هذا هو اللقب الأكثر إنتشاراً عن العذراء مريم في علاقتها بالسيد المسيح في تجسده، وهو اللقب الذي يذكره عنها كُتَّاب العهد الجديد (يوحنا 2: 3، 19: 25-26،لوقا 2:48، مرقس 3: 31-33، مرقس 6: 3، أعمال 1: 14).

حين تمت ولادة الصبي يسوع أصبحت العذراء مريم تُدعى "أم يسوع"، وهكـذا عَرِفَها كُتّاب البشائر، وكأم قامت بواجبها نحو ابنها، فبعدمـا "تَمَّتْ أَيَّامِ تَطْهِيرهَـا حَسَبَ شَرِيعَـِة مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلىَ أُورُشَلِيمَ لِيُقَـدِّمُـوهُ لِلرَّبِّ" ( لوقا 2: 22).وفي الهيكل تقابلا، العذراء ورجلها يوسف مع رجل اسمه سمعان، كان هذا رجلاً باراً ومشهوداً له في أورشليم، وكان قد أوحي اليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب، وحين شاهد المسيح عرف أنه الابن الموعود به، وحين تعجبا يوسف ومريم حين شاهدا ما عمله سمعان الشيخ، باركهما، "وَقَالَ لمِرَيمْ أُمِّهِ (أي أم يسوع) هَا إِنَ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فيِ إِسْرِائيِلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ، وَأَنْتِ أَيْضَاً يجَوُزُ فيِ نَفْسَكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ" (لوقا 2: 25 – 35).

 

وفي علاقة العذراء مريم بابنها يسوع نجد تحقيقاً لهذه النبوة "وَأَنْتِ أَيْضَاً يجَوُزُ فيِ نَفْسَكِ سَيْفٌ"، والكلمة المستخدمة هنا للدلالة على السيف، في أصلها اليوناني تعني السيف كبير الحجم مثل الذي كان جليـات يستخدمه، السيف الحاد الطويل، المخيف، "يجَوُزُ فيِ نَفْسَكِ سَيْفٌ" كانت هذه نبوة عن مِقدار الألم التي سوف تجتازه العذراء، وقد جاز السيف أعماقها، فمنذ أن بشَّرها الملاك بولادة المسيح، جاز في نفسها سيف، حتى وإن عرفت سر هذا الحبل المقدس، كان عليها مواجهه خطيبها يوسف، وهي لم تعرف كيف يتقبل هذا الأمر، وحين أراد تخلِّيتها سراً رغم ما في ذلك من عدم تشهير بها،وتقديراً لها، إلا أنه موقف بالضرورة تألمت لأجله، وحين واجهت مجتمعها وهي حبلى قبل أن يتم الزفاف كعادة اليهود، بالقطع أمر كان له تأثيره عليها، وفي مطاردة هيرودس لوليدها، وتغرَّبها عن بلادها، وحين رفض اليهود رسالة ابنها لهم، رسالة الله لخلاصهم، حين كانت ترى مقاومتهم له، بل محاولة قتله وطرحه من أعلى الجبل (لوقا 4: 29)، حتى أقرباؤه يتهمونه باتهامات باطلة، دون أن يعرفوه المخلص، الذي جاء لخاصته (مرقس 3 :21)، على أن الاتهام يتجاوز حداً خطيراً، فهـا هم الفريسيون والكتبة، وهم قادة الدين، يوجهون اتهامهم له بأنه يعمل معجزاتـه ويخرج الشياطين بقـوة بعلزبـول (متى12: 24)، ويصل الأمر إلي قمة ذروته، وقت الصلب حيث ترى العذراء ابنها معلقاً على خشبه الصليب، وهي واقفة تنتحب باكية لا تستطيع أن تعمل شيئاً من أجله (يوحنا 19: 25).

*  آه .. كم كان رهيباً ذاك السيف الذي أجتاز في نفسك أيتها القديسة العذراء وأنتِ المنعم عليها، والمباركة وسط نساء العالمين.

دروس من حياة القديسة العذراء مريم:

1.    إن الله لا يدعونا لحياة سهلة، ومريحة بل لحياة أفضل بكل ما تحمل هذه الحياة من تحديات وصعوبات، لكنه هو ذاته يضمن لنا النصرة والغلبة فيها، ويهيئ لنا طريقاً في المواقف الصعبة.

2.     لا يطلب الله منا مؤهلات خاصة، لكنه يطلب القلب الوديع والمتواضع، الإيمان الواثق في قدرته.

3.     حين نخضع لمشيئة الله، فإنه يحقق بنا ومن خلالنا أعماله العجيبة، والفائقة المعرفة.

4.     تتضح حياة الإيمان وتظهر عندما نستجيب لما يطلبه الله منا، مهما بدا ذلك مستحيلاً وصعب التحقيق.

5.    يمكن لأي إنسان أن يكون وديعاً ومتواضعاً حين يدرك موقفه الحقيقي في محضر الله، ويتأكد من غنى نعمة الله الذي يشمله في المسيح يسوع.

6.     إن نعمة الله تشمل جميع حوانب حياتنا ، وهي تخص الذين يقبلون عمل المسيح بالبنوية لله، لتجعل منهم أولاداً له.

7.     حين تكون علاقة الإنسان بالله صحيحة فإن هذه العلاقة تنعكس على علاقاتنا المختلفة بالأخرين، وعلى تقبلنا لمشيئة الله.

8.     الكبرياء هي رفض نعمة الله، أو عدم تقديم الشكر على عطاياه الوفيرة.