gototopgototop
Get Adobe Flash player

ترجم الموقع إلى لغتك

من كتاباتي

  • الموت في المفهوم المسيحي
  • المفهوم المسيحي للعشاء الرباني
  • نؤمن بإله واحد
  • عودة المسيح ثانية ودينونة العالم
  • الزواج في المسيحية
  • المفهوم اللاهوتي للثورة
  • الثالوث في المسيحية توحيد أم شرك بالله

ابحث في الموقع

رأيك يهمنا

هل تعتقد أن الأعمال الحسنة والأخلاق الجيدة تؤدي بالإنسان إلى الجنة؟
 

زوار من كل مكان

free counters

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 4 زائر متصل
الرئيسية عقائد ولاهوتيات فلسفة أديان هل يحق للمسيحي أن يتمرد على السلطة الحاكمة؟ (4/4) المسيح نموذجاً ــ عدد مرات زيارة هذه الصفحة: 378
-

قدَّم السَّيّدُ الْمَسِيح مِنْ خِلَالِ مِشوار حَيَاتهِ عَلَى الْأَرْضِ وَخِدمتهِ الَّتِي زَادت عَنْ ثَلَاثِ سَنوات، نَمُوذَجًا رَائِعًا لِلثَّائرِ ضِدَّ الظُّلمِ الاجْتِمَاعِيّ وَالطَّبَقِيَّةِ وَالتّمِييزِ الْعُنْصُرِيّ أَوْ الْجِنْسِيّ، مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةِ أُخرَى ضِدَّ الْفَسَادِ الدِّينِيّ وَالْمُمَارسَاتِ الطّقسِيَّة وَالشَّكْلِيَّة الَّتِي أَفْرغت الدِّين مِنْ مَعنَاه الْحَقِيقيّ وَحَوّلتهُ إِلَى صُورٍ شَتَّى مِنْ صُورِ التَّدِينِ الظَّاهرِيّ، وَالَّتِي أَصبحت فِي حَدِّ ذَاتِهَا نَوعًا مِنَ التَّمِييزِ بَيْنَ البَشَرِ،

كَمَا وَاجهَ ظَاهِرة اخْتِلَاطِ الدِّينِ بِالسِّيَاسةِ، مُمَثَّلةٌ فِي الْأَحزَابِ السِّيَاسِيَّة ذَات الْمرجِعِيَّاتِ الدِّينِيَّة، أَوْ الْجَمَاعَات الدِّينِيَّة فِي عَصرِهِ، وَالَّتِي نَحَا بَعضُهَا مَنْحَى التَّطرّفِ وَاسْتخدَامِ الْعُنفِ ضِدَّ مُعَارضِيهمْ فِي الرَّأَي. وِعِنْدَمَا أَعلنَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ جَاءَ لِيُحَرّرَ الْإِنْسَانَ وَيَمْنَحهُ الْحَيَاةَ الأَفْضل، لَمْ يَكُنْ يَقصد فَقطْ الْمعنَى الرُّوحِيّ لِلتَّحرِيرِ وَالْخَلَاصِ، لَكِنَّهُ تَخطَّى هَذَا الْمفهُوم الضّيق لِلخَلَاصِ لِلمفهُومِ الأَكثر رَحَابَةً أَلَا وَهُوَ تَحْرِيرُ الْإِنْسَان الشَّامل عَلَى صَعِيدِ الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّة وَالزَّمنِيَّة مَعًا. لِذَلِكَ، فَقدْ كَانَ الْمَسِيحُ مُعَلِّمًا إِصْلَاحِيًّا، أَي لَمْ يَكُنْ لِيَكْتَفِي بِالتَّنْظِيرِ الْعِلْمِيّ لِأَفْكَارِهِ وَمَبَادئِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُطبّقُ تَعَالِيمه بِصُورٍ عَمَلِيَّةٍ تَجْتَذِبُ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَتبَاعِ الَّذِين رَأوا فِيهَا صِدقَ الْمعنَى وَإِيجَابِيةَ الْموقفِ، تِلكَ الْمواقف الَّتِي لَمْ تَخْلُ مِنَ الصِّدَامِ لَيْسَ فَقطْ مَعَ قَادةِ الْمُجْتَمَعِ، بَلْ مَعَ شَرائحٍ كَثِيرةٍ وَمُتَعددةٍ مِنْ مُجْتَمَعٍ رَبَطَ بَيْنَ الدِّينِ وَالدّولةِ مِنْ جِهَةٍ، وَكُرِّسَ لِلطَّبقِيَّةِ الْمُمَنْهَجَة مِنْ جِهَةٍ أُخرَى، فَفَسِدَ فَسَادًا كَامِلاً، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ لا مَحِيص مِنَ الْمُواجهةِ الثَّورِيَّة، وَهُنَا نَرصِدُ بَعضَ الْمَواقفِ لِلمَسِيحِ ثَائِرًا فِيهَا وَمُحْتَجًّا ضِدَّ الظُّلمِ وَالْفَسَادِ الْمُجْتَمَعِي، مُقَدِّمًا النَّمُوذجَ الَّذِي عَلينَا أَنْ نَتَعْلَّمَ مِنْهُ. وَمِنْ صُورِ الْفَسَادِ الدِّينِيَّ الَّتِي اسْتَشرت فِي المُجْتَمعِ اليَهُودِيّ، وَقَاومهَا الْمَسِيحُ لَيْسَ بِفكرِهِ الثَّورِي فَحسب، لَكِنَّهُ تَخطَّى مَرحلةَ الْفكِرِ وَالتَّعلِيمِ إِلَى مَرحلةِ الْفعلِ، كَمَا حَدَثَ فِي مَوقِفِ تَطهِيرِ الْهيكلِ. وَتَمثَّلت أَشْكَالُ الْفَسَادِ الدِّينِيّ فِي تَدخُّلِ الْقِيَادَات الدِّينِيَّة فِي السِّيَاسةِ، حتَّى إِنَّ مَجْمعَ السِّنهدْريِن -وَهُوَ مَا يُمثِّلُ مَجلِسَ الشَّعْبِ فِي الوقتِ الْمُعَاصر- كَانَ يُخْتَارُ مِنَ الْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّة لِلْأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّة، وَكَانَ يَرَأْسُ هَذَا الْمجْمع رَئِيس الْكَهَنةِ، وَكَانَ السِّنْهدرِين يُنَاقِشُ الشِّؤون الْقَانُونِيَّة وَيُصْدِرُ الْقَرَارَاتِ وَالْأَحْكَام اللَازِمة فِي مُخْتَلفِ الشِّؤونِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ.
وَمِنْ صُورِ الْفَسَادِ الدِّينِيَّ الَّتِي وَاجههَا الْمَسِيحُ: انْتِشَارُ الْمَظْهَرِيَّة الدِّينِيَّة عَلَى حِسَابِ التَّقْوى الشَّخْصِيَّة الدَّاخِلِيَّة؛ الْحَرْفِيَّةُ فِي تَطبِيقِ قشُورِ الدِّينِ عَلَى حِسَابِ الْعُمقِ الرُّوحِيِّ وَالْمَبَادئ الْأَخْلَاقِيَّة الْعَمِيقة لِلدِّينِ؛ اسْتخدَامُ الْهَيكلِ لِلمصَالحِ وَالْأَغرَاضِ الشَّخصِيَّة وَالْحِزبِيَّة.
الْمَسِيحُ يُواجِهُ الْمظهَرِيَّةَ الدِّينِيَّة
انْتَشرَ التَّطرّفُ وَالْمظْهَرِيَّةُ الدِّينِيَّةِ إِبَّان وَقتِ الْمَسِيحِ. وَمِنْ مَظَاهرِ هَذَا التَّطرّفِ الدِّينِيّ التَّمسّكُ الْمُتَشدّد بِمَظَاهرِ الدِّينِ، لَا الدَّين ذَاته، حَيْثُ كَانَ الْمُتَديّنُونَ يَعْمَدُونَ الْمُجَاهَرَة بِأَعْمَالِهمْ الْحَسنة مِنْ فِعْلِ الْخَيرِ وَتَقدِّيمِ الصَّدَقَةِ لِلمُحْتَاجِينَ، وَيُجَاهِرُونَ بِصِيَامِهِمْ وَكَثرةِ صَلَواتِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنَ الْمجَامِعِ وَزَوايَا الشَّوارعِ أَماكِنَ لِإِظْهَارِ تَقْواهمْ وَصَلَواتهمْ أَمَامَ الآخرِين. كَمَا تَمثَّلت الْحَرفِيَّةُ فِي التَّمسُّكِ بِقشُورِ الدِّينِ وَالابْتِعَادِ عَنْ الْقِيَمِ الرُّوحِيَّة الْعَمِيقة لِلدِّينِ، وَالاسْتغرَاقِ فِي التَّطبِيقِ الحَرفِيّ لِلوصَايَا دُوْنَ الاهْتِمَامِ بِقِيمَةِ الْإِنْسَانِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جَاءت الوصِيَّةُ، فَقَدْ كَانَ تَقدِيس يَوْم السَّبتِ يَحْظَى بِالتَّقدِيرِ وَالاحْتِرَامِ عَنْ مُحَاولةِ شِفَاءِ أَوْ نَجدةِ الْإِنْسَانِ، كَانُوا يَلتَزِمُونَ بِتَقدِّيمِ الْعِشُورِ، وَهُوَ أَمرٌ سَهْلٌ هَيّنٌ عَلَيهمْ، في حِين أَنَّهمْ يَغضُّونَ الْبَصرَ عَنْ الواجبِ تَقدِّيمه مِنَ الرّحمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَهُنَا يَلُومُهمْ الْمَسِيحُ بِشِدَّةٍ قَائِلاً: «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ» (متَّى 23 : 23)، بَلْ وَالْأَكثرُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَوَّل الْمُتَدِيّنُونَ بَعضًا مِنَ الْمُمَارسَاتِ الصِّحِّيَّة وَالاجْتِمَاعِيَّة إِلَى فَرائضٍ وَاجِبَةٍ وَمُلْزِمَةٍ لِلنَّاسِ كَنوعٍ مِنَ الْمُغَالَاةِ الدِّينِيَّة، مِثل طَقسِ غَسلِ الْأَيدِي، وَقَبُولِ نَوعٍ مِنَ الْأَطعِمَةِ عَلَى أَنَّهُ طَاهِر،ٌ وَرَفض نَوعٍ آخر عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَمَعَ الْمُغَالَاةِ فِي تَطبِيقِ مَظهرِ وَحَرفِيَّةِ الشَّرَائعِ الْإِلَهِيَّة، سَنَّ رِجَالُ الدِّينِ بَعضَ الشَّرَائعِ الَّتِي تَنْهِي الْإِنْسَان عَنْ عَمَلٍ مَا أَوْ تَأمُرهُ بِعَمَلٍ آخر، حَتَّى بَلغت شَرائعُ النَّهِي 365 شَرِيعة، وَمِنْهَا رَفضُ التَّعَامُل مَعَ الْخُطَاةِ وَالْمُعَاقِين وَالْمَرضَى نَفْسِيًّا لِأَنَّهُمْ غَيْر طَاهرِين، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَمِييزٍ وَاضِحٍ وَفَاضِحٍ، وَبلغت وَصَايَا الْأَمرِ 248 وَصِيَّة. وَقَدْ وَاجهَ الْمَسِيحُ هَذِه الْمظَهَرِيَّة الدِّينِيَّة فِي تَعْلِيمهِ قَائلاً: «احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ. لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ» (متَّى 6 : 1-5). بَلْ عَلَّمَ تَلَامِيذهُ قَائِلاً: «إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ» (متَّى 5 : 20). لَمْ يَكْتَفِ الْمَسِيحُ بِالْمُواجهةِ الْفكرِيَّة لِلفَسَادِ الدِّينِيَّ، بَلْ اتَّخذَ خُطُواتٍ عَمَلِيّةً مَعَ كُلِّ مَا تَحْمِلَهُ هَذِه الْخُطوات مِنْ مُخَاطرةٍ، فَقَدْ شَفَى صَاحِبَ الْيَدِ اليَابِسَةِ فِي يَوْمِ السَّبتِ (متَّى 12: 9-10)، وَبِذَلِكَ أَكَّدَ عَلَى أَنَّ تَقدِيسَ السَّبتِ يَتَجلَّى فِي أَعظمِ صِورهِ فِي عَمَلِ الْخَيرِ لِلْإِنْسَانِ، الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ السَّبتُ. وَفِي رَفضِ الْمَسِيح لِتَطبِيقِ عِقَاب الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَرأةِ الزَّانِية، كَانَ يُؤكّدُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَهمُ مِنْ التَّطبِيقِ الْحَرفِيّ لِلشَّرِيعَةِ، الَّتِي إِذَا طُبّقَت بِحَرفِيّتِهَا فَلَنْ يَفْلِت مِنْ عِقَابِهَا أَحدٌ، فَكَيْفَ يُطَبّقُ أَحْكَامَ الشَّرِيعةِ مَنْ هُوَ مُدَانٌ أَيْضًا بِتِلْكَ الشَّرِيعة، قَالَ الْمَسِيحُ فِي ذَلِكَ الْموقفِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» (يُوحنَّا 8 : 7).
أَمَّا عِنْدَمَا ذَهَبَ الْمَسِيحُ لِلهَيكَلِ فِي أُورُشَلِيم وَوجدَ مَنْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، «صَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَالٍ وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ» (يُوحنَّا 2: 15) قَائِلاً قَولتَهُ الشَّهِيرة: «بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ» (مرقس 11: 17).
الْمَسِيحُ يَنْتَصِرُ لِلمَرَأَةِ وَكَرَامةِ الْفَقِيرِ وَالْمظْلُومِ
مِنْ الْمواقفِ الثَّورِيَّة الَّتِي قَامَ بِهَا الْمَسِيحُ فِي قَضَايَا الْإِصْلَاحِ الاجْتِمَاعِيّ، ثَورتهُ ضِدَّ الطَّبقِيَّةِ وِدِفَاعُهُ عَنْ كَرَامةِ الْفَقِيرِ وَالْمظْلُومِ، وَرَفْعُهُ شَأَنَ الْمَرَأةِ، حَيْثُ كَانَ الْمُجْتمعُ الْيَهُودِيّ يُعَانِي مِنَ التَّمِييزِ الطَّبَقِيّ لِأَفرَادِه، فَهُنَاكَ التَّمِييز بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، السَّادةِ وَالْعَبِيدِ، الْأَبرَارِ وَالْأَشرَارِ، الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقَدْ وَاجهَ الْمَسِيحُ مُعَامَلةَ الْمُجْتَمَعِ الظَّالمة لِلمَرَأَةِ مُواجهةً حَاسِمَةً، فَقَدْ خَلَقَ اللهُ الرّجُلَ وَالْمَرَأَةَ مُتَسَاويِّين، وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلقِ تَعَاملَ الْمَسِيحُ مَعَ الْمَرَأَةِ، فَتَكَلَّمَ مَعَ السَّامِرِيَّةِ، وَغَفَرَ لِلمرَأَةِ الْخَاطِئَة، وَقَبِلَهَا وَسط الْجَمَاعَةِ الْمُقَرّبة لَهُ، وَسَمَحَ لَهَا أَنْ تَتَعلّمَ وَتَحْضُرَ تَعَالِيمه وَنَدَواته، وَفِي الوقتِ الَّذِي أَثْقَلَ فِيهِ قَادةُ الدِّينِ -فِي عَصرِهِ- كَاهِلَ الْمَرَأَةِ وَاعْتَبَرُوهَا أَقلُّ شَأنًا، وَأَدَاةً لِلجِنْسِ وَمُتْعَةً لِلرَّجُلِ، وَوضعُوا عَلَيهَا الْقِيود فِي الْمَلبَسِ وَغَيرِهِ، كَرَّمَ الْمَسِيحُ الْمَرَأةَ، وَتَعَاملَ مَعَهَا بِاعْتِبَارِهَا كَائِنًا ذَا قِيمةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُسَاويةٍ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ يَطلبْ مِنْهَا الاخْتِفَاء وَالانْزِواء عَنْ الْمُجْتَمَعِ وَلَا عَنْ أَعيُنِ الرِّجَالِ وَراءَ حُجُبٍ كَثِيفَةٍ وَمُتَنوعَةٍ، وَلَمْ يَطلبْ مِنْهَا ارتِدَاء نَوعِيَّةٍ مُعَيَّنةٍ مِنَ الْمَلَابِسِ. لِقَدْ نَظرَ الْمَسِيحُ إِلَى الْمَرَأَةِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُركّزْ عَلَى جَسَدِهَا وَطَبِيعَتِهَا الْبَيولُوجِيَّة، بَلْ رَكّزَ عَلَى إِنْسَانِيتِهَا وَفكْرِهَا وَمُسَاواتِهَا لِلرَّجُلِ فِي قِيمتِهَا الْإِنْسَانِيَّةِ. أَمَّا عَنْ الْفقرِ وَالْفُقَرَاءِ، فَقَدْ رَفَضَ الْمَسِيحُ الرَّبطَ بَيْنَ الْفَقرِ وَالْخَطِيَّةِ، فَالْفَقرُ لَيْسَ خَطِيئةً، وَأَكَّد عَلَى أَنَّ الْمَرضَ لَيْسَ دَائِمًا وَلِيدَ الْخَطِيَّةِ، وَإِنْطِلَاقًا مِنْ خَلقِ اللهِ لِلبَشَرِ مُتْسَاويِّين تَعَامَلَ الْمَسِيحُ مَعَ الْفُقَرَاءِ بِكَرَامَةٍ وَتَسَاوٍ؛ لِذَا كَانَتْ تَعَالِيمُ الْمَسِيحِ وَأَحَادِيثُهُ ثَورةً عَلَى الْأَغْنِيَاءِ الَّذِين يُسْخِّرُونَ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ.
لِقَدْ شَعَرَ الْمَسِيحُ بِالْأَلمِ تِجَاه مُعَانَاة الْفُقَرَاءِ؛ وَوقفَ إِلَى جَانبِهِمْ، فَقَضِيَّةُ الْفُقَرَاءِ قَضِيَّةَ ظُلمٍ اجْتِمَاعِيٍّ وَسُوءِ تَوزِيعٍ لِلعَدَالَةِ الاجْتِمَاعِيَّة، وَلَعَلَّ ثَنَاء الْمَسِيحِ عَلَى مَوقِفِ زَكَّا الْعشَّار، عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُوزِّعَ نِصفَ أَموالِهِ عَلَى الْمَسَاكِين وَأَنْ يَنْصِفَ مَنْ ظَلَمَهُ، وَيُعَوّضهُ عَنْ ظُلمِهِ لَهُ. يُؤكِّدُ ذَلِكَ عَلَى رُؤيةِ الْمَسِيحِ أَنَّ الْغَنِيَّ مُلْتَزِمٌ وَمسؤولٌ عَنْ تَصحِيحِ أَوضَاعِ الْفُقَرَاءِ وَعَنْ تَحقِيقِ الْعَدَالةِ الاجْتِمَاعِيَّة، وَلِقَدْ اعْتَبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّ مَا يَعْمَلَهُ أَوْ يُقَدِّمَهُ أَحدٌ لِهَؤلَاءِ الْفُقَرَاء وَالْمَرذُولِينَ وَالسُّجَنَاء وَالضُّعَفَاء مِنَ الشَّعْبِ إِنَّمَا يُقدِّمهُ لَهُ هُوَ شخصِيًّا، وَلَنْ يَفْقِد مُكَافَأتهُ، فَقَدْ قَال: «لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ» (متَّى 25: 35- 40). كَمَا أَعْلَنَ الْمَسِيحُ أَنَّ لُبَّ رِسَالتِهِ هُوَ خِدمَةُ هَؤلَاء الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، حِينَ اقْتَبَسَ مَا كَتَبَهُ إِشعيَاء النَّبِيّ «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ»، ثُمَّ أَرَدَفَّ قَائِلاً: «الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ» (لوقا 4: 18، 21).
الْمَسِيحُ يَنْبُذَ الْعُنْفَ وَيُواجِهُ الْمُخْطئ
مِنَ الْمَواقف الَّتِي لَابُدَّ وَأَنْ نَتَوقّفَ أَمَامَهَا، مَوقِفَهُ الَّذِي اتَّخذهُ عِنْدَمَا لَطَمَهُ أَحدُ خَدِمِ رَئِيس الْكَهَنَةِ الَّذِين كَانُوا وَاقِفِين أَثْنَاء مُحَاكَمَةِ الْمَسِيح، حَيْثُ سَأَلهُ الْمَسِيح قَائِلاً: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» (يُوحنَّا 18: 23)، هَذَا الْموقف الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ يَتَعَارضُ مَعَ مَا عَلَّمهُ الْمَسِيحُ حِينَ قَال: «لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً.. أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ.» (متَّى 5: 39، 44). وَبِالتَّأمُّلِ الْهَادِئ فِي هَذِين الْموقِفَين لَا نَجِدُ بَيْنَهُمَا أَيَّ تَعَارُضٍ، فَفِي حِين يَرَى الْبَعضُ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَقْصُدْ بِسُؤالِهِ هَذَا شَخصَ الْخَادِمِ الَّذِي لَطَمَهُ، بَلْ شَخصَ رَئِيس الْكَهَنَةِ، مُتَسَائِلاً مَا هُوَ السّوءُ الَّذِي تَكَلّمْتُ بِهِ حَتَّى تَعْطِي عَبْدَكَ الْحَقَّ فِي الْإِسَاءةِ إِلَيّ؟ لِقَدْ رَأى الْمَسِيحُ هُنَا إِخْلاَلاً بِإِجْرَاءَاتِ الْمُحَاكَمَةِ وَخُرُوجًا عَلَى الْقَانُونِ وَالتَّورَاةِ، حَيْثُ كَانَ الْقَانُون اليَهُودِيّ يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلقَاضِي الْحَقَّ إِلَّا فِي مُحَاكَمَةِ الْمُذنب، وَمَتَى ثَبُتَت إِدَانتهُ، ثُمَّ يَأَمُرُ بِعِقَابِهِ فِي حِدُودِ كَرَامَةِ الِإنْسَانِ.
يَرى البَعضُ الآخر أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يُرسِّخُ لِلمبدَأ الْقَانُونِيّ الْمَعرُوف فِي عَصرِنَا وَهُوَ أَنَّ الْمُتَّهمَ بَرِئٌ حَتَّى تَثْبُت إِدَانتهُ، وَالْمعنَى هُنَا أَنَّهُ عَلَيكَ أَوّلاً أَنْ تُبيّنَ الْإِسَاءةَ ثُمَّ تُوقِعُ الْعِقَاب، لِقَدْ وَبَّخَ الْمَسِيحُ ضَارِبَهُ، وَأَوقعَ عَلَيهِ الْجِنَايَة بِأَنَّهُ ضَربَ إِنْسَانًا لَمْ يُثْبُتْ عَليهِ ذَنبٌ، وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ الْمَسِيح لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ الْمظْلُومِ عَلَى ظَالِمِهِ طَالمَا لَمْ يُخْطِ فِي طَريِقةِ الاعْتِرَاضِ. لِقَدْ انْتَقَدَ الْمَسِيحُ السُّلطَات الدِّينِيَّة وَالْمُتَدِيّنِين، وَالْأَغْنِيَاء وَالارسْتُقرَاطِيّين، وَكَانَتْ لَهُ آراؤهُ فِي السِّيَاسةِ وَالاجْتِمَاعِ وَالاقْتِصَادِ، وَهُوَ لَمْ يَطلُبْ مِنَّا أَنْ نُغْلِقَ عِيُونَنَا أَوْ نَصُمَّ أَذَانَنَا، أَوْ نُلَجِمَ أَلسِنَتِنَا عِنْدَمَا نَرى حقُوقَ الْإِنْسَانِ تُهدَرُ وَتُغْتَصَبُ، أَوْ أَنْ نَرى الظُّلمَ فِي تَوزِيعِ الثَّرُوةِ أَوْ مُبَاشَرةِ الْحقُوقِ السِّيَاسِيَّةِ، بَلْ يَدْعُونَا لِأَنْ نَندَمِجَ فِي الْمُجْتَمَعِ وَنُشَارِكَ فِيهِ، وَنَعْمَلَ عَلَى تَحقِيقِ الدِّيمُقرَاطِيَّة الْمُجْتَمَعِيَّة عَلَى أَسَاسِ الْمُسَاواةِ فِي حقُوقِ الْإِنْسَانِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ وَمَنَحهُ قِيمَةً وَشَرفًا عَلينَا جَمِيعًا احْتِرَامهُ، وَعَلينَا أَنْ نُقيّمَ سِيَاسَات وَتَوجُّهَات الْمُجْتَمَعِ وَنُشَارِكَ فِي صُنْعِهَا بِطَرِيقةٍ صَحِيحَةٍ وَواضِحَةٍ.
الرَّسُول بُولُس نَمُوذَجًا لِفَهمِ الْمَسِيحِيّ لِمُوَاطَنتِهِ
عَلَى نَهْجِ الْمَسِيحِ سَارَ التَّلَامِيذُ وَالرُّسُلُ، فَقَدْ أَكَّدَ الرَّسُولُ بُولُس عَلَى الْمُسَاواةِ الْكَامِلة بَيْنَ الْجَمِيعِ، فَلَا فَرقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَيْنَ عَبْدٍ وَحُرٍّ، بَيْنَ جِنْسٍ وَآخر، تِلْكَ الْمُسَاواةُ الَّتِي هِي أَسَاسُ الْمُواطنَةِ، لِقَدْ أَدْرَكَ بُولُس أَنَّ سِيَادةَ الْقَانُونِ وَالْمُسَاواة فِي تَطبِيقِهِ عَلَى جَمِيعِ أَفرَادِ الْمُجْتَمَعِ هِي جُزْءٌ لَا يَتَجزَّأ مِنْ تَفْعِيل الْمُوَاطَنَةِ الْحَقَّة.
كَمَا أَكَّدَ الرَّسُولُ بُولُس فِي مواقفٍ عَدِيدةٍ عَلَى أَهَمِّيَّةِ احْتِرَامِ السُّلطَات وَالْخُضُوع لِلرِّيَاسَاتِ وَالسَّلَاطِينِ مُعْتَبِرًا أَنَّهُمْ خُدَّامٌ لله، وَيُوصِي الْمُواطِنَ إِذَا أَرَادَ أَلَّا يَتَعرَّضَ لِعِقَابِ السُّلطَاتِ، أَنْ يُظْهِرَ صَلَاحَهُ بِفعلِ الصَّلَاحِ، إِذْ يَقُول: «لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِين الْفَائِقَةِ لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ. حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ. لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثاً إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ. لِذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً بِسَبَبِ الضَّمِيرِ. فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هَذَا تُوفُونَ الْجِزْيَةَ أَيْضاً إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللهِ مُواظِبُونَ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ. فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ» (رومية 13: 1-7).
إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُدْرِكُ حقُوقَهُ كَمُواطنٍ وَيَتَمسّكُ بِهَا، وَيُطَالِبُ السُّلطَاتِ بِاحْتِرَامِهَا، حَيْثُ يَذْكُر لَنَا سِفْرُ أَعْمَالِ الرُّسُلِ كَيْفَ كَانَ بُولُس يُدْرِكُ حقُوقَهُ كَمُواطنٍ رُومَانِيّ وَيَتَمسَّكُ وَيُطَالِبُ الْقِيَادَاتِ بِتَحقِيقِهَا، فَذَات مَرَّةٍ كَانَ بُولُس وَصَدِيقُهُ سِيلَا يُبْشِّرَان شَعْبَ مَدِينةِ فَيلبِّي بِالْخَلَاصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ، وَبَعْدَ أَنْ أَجْرَيَا مُعْجِزَةً ثَارت حَفِيظَةُ الْبَعضِ، فَأُلْقِيَ الْقَبِضُ عَليهِ هُوَ وَزَمِيلهُ، وَبِدُونِ مُحَاكَمَةٍ أُصْدِرَ أَمرٌ بِسجنِهِمَا وَتَعْذِيبِهِمَا فِي السَّجنِ، وَلَمَا صَارَ النَّهَارُ أَرسَلَ الْولَاةُ لِيُخْرِجَا بُولُس وَسِيلَا مِنْ سجنِهِمَا، وَهُنَا قَال بُولُس: «ضَرَبُونَا جَهْرًا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْنَا وَنَحْنُ رَجُلاَنِ رُومَانِيَّانِ وَأَلْقَوْنَا فِي السِّجْنِ أَفَالآنَ يَطْرُدُونَنَا سِرًّا؟ كَلاَّ! بَلْ لِيَأْتُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيُخْرِجُونَا. فَأَخْبَرَ الْجَلاَّدُونَ الْوُلاَةَ بِهَذَا الْكَلاَمِ فَاخْتَشَوْا لَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُمَا رُومَانِيَّانِ. فَجَاءُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِمَا وَأَخْرَجُوهُمَا» (أَعْمَال 16: 37-39).
وَمَرَّةٌ أُخرَى حِينَمَا هَيَّجَ بَعضُ الْمُغْرِضِينَ الشَّعْبَ فِي أُورُشَلِيم ضِدَّ بُولُس وَقُبِضَ عَلَيهِ وَحَاولُوا قَتْلَهُ، وَإِذْ وَصَلَ الْخَبَرُ لِلقَائدِ الْعَسْكَرِيّ فِي الْمَدِينَةِ، أَمَرَ فَجَاءوا بِبُولُس قُدَّامَهُ، وَأَثنَاء مُحَاكَمَةِ بُولُس وَتَقدِّيم دِفَاعه عَنْ نَفْسِهِ، «وَإِذْ كَانُوا (الْمُغْرِضُون) يَصِيحُونَ وَيَطْرَحُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَرْمُونَ غُبَارًا إِلَى الْجَوِّ. أَمَرَ الأَمِيرُ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ قَائِلًا أَنْ يُفْحَصَ بِضَرَبَاتٍ لِيَعْلَمَ لأَيِّ سَبَبٍ كَانُوا يَصْرُخُونَ عَلَيْهِ هَكَذَا. فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِّيَاطِ قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الْوَاقِفِ: أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟» (أَعْمَال 22: 23-25).
إِنَّ مَنْ يُحَاولُ أَنْ يَضَعَ فَاصِلًا بَيْنَ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ وَالْمُواطَنَةِ، بَيْنَ الْمَسِيحِيِّ وَالالتِزَامَاتِ الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيهِ انْتِمَاؤهُ لِوطَنِهِ، بَلْ إِنَّ مَنْ يُحَاولُ الْفَصلَ بَيْنَ الانْتِمَاءِ للهِ وَالانْتِمَاءِ لِلوطنِ وَالْمُجْتَمَعِ، يَبْتَعِدُ عَنْ الْفَهمِ الصَّحِيحِ لِلكِتَابِ الْمُقَدّس، لأَنَّ الانْتِمَاء الْحَقِيقيّ للهِ، وَالْحَيَاة الْمَسِيحِيَّة الْحَقَّة، تَظْهَرُ فِي الْمُواطَنَةِ الصَّالِحَة وَفِي السِّلُوكِ الْيَومِيِّ لِلْإِنْسَانِ الْمَسِيحِيّ.