gototopgototop
Get Adobe Flash player

ترجم الموقع إلى لغتك

من كتاباتي

  • الموت في المفهوم المسيحي
  • المفهوم المسيحي للعشاء الرباني
  • نؤمن بإله واحد
  • عودة المسيح ثانية ودينونة العالم
  • الزواج في المسيحية
  • المفهوم اللاهوتي للثورة
  • الثالوث في المسيحية توحيد أم شرك بالله

ابحث في الموقع

رأيك يهمنا

هل تعتقد أن الأعمال الحسنة والأخلاق الجيدة تؤدي بالإنسان إلى الجنة؟
 

زوار من كل مكان

free counters

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 12 زائر متصل
الرئيسية عقائد ولاهوتيات عقائد مسيحية لماذا نكرز إن كان الله قد اختار البعض للحياة الأبدية؟ ــ عدد مرات زيارة هذه الصفحة: 617
-

يرى كثيرون من المؤمنين أن عقيدة الاختيار (التعليم القائل بأن الله قد سبق وأحب البعض، وأنه-تعالى- عينهم للحياة الأبدية إذ صاروا مشابهين صورة ابنه، الذي صالحهم مع شخص الله بموته وكفارته من أجلهم، وأودع فيهم الروح القدس ليطبّق عمله فيهم بأكثر فعالية)، إنما تتعارض مع الكرازة، وأنه إن أمن أحدهم بمثل هذه العقيدة، فإنه سيترك غيرته الكرازية، وحماسه في ربح النفوس للمسيح. فالتعليم الأول-بالنسبة لهم- يقف حائلاً، بل عائقًا، أمام ضرورة إعلان رسالة الإنجيل، ورسالة المصالحة للخطاة. ويرى هؤلاء أن عقيدة الاختيار لا تتناسب أبدًا مع شغف المؤمن في القيام بالعمل المرسلي، ومحبته للنفوس البعيدة عن الرب.    

ويصل الحال بهم إلى استنتاج غير دقيق، إذ يقولون بأن الكارز عليه أن يختار بين فكرتين: إما أن يكرز ويرفض عقيدة الاختيار بالتمام والكمال؛ أو أن يؤمن بعقيدة الاختيار ويضع الكرازة جانبًا. ويرون بأن الإنسان حر—تمام الحرية—في أن يقرر مصيره الأبدي، فالقرار الكامل في يده هو. هو من يختار أن يسمع رسالة الإنجيل، ويستجيب لها؛ وهو من يقرر، حين يسمع، أن يقبل المسيح، أو أن يرفضه تمامًا. وهذه، بالتأكيد، هي نقطة الانطلاق عند مثل هذا النوع من التفكير اللاهوتي.

ويقولون أيضا إن الله، إن كانت عقيدة الاختيار صحيحة، سوف يأتي بالمختارين سواء كرز الكارزون، أو تقاعسوا عن عملهم. فهو كلي السلطان، ويعرف أن يجذب المؤمنين للإيمان بالمسيح يسوع كيفما شاء، وأينما شاء! والنتيجة النهائية هي: إما الاختيار أو الكرازة، لا يمكن الجمع بين هذين النقيضين؛ إذ لا يمكن المصالحة بينهما.

وقد انتهى الحال، بالتالي، بأن اهتم البعض بالكرازة، وأنكروا الدور الإلهي في أمر الخلاص (الاختيار)؛ بينما لا يكرز البعض الآخر على الإطلاق، بل أنكروا الدور الإنساني في التفاعل مع رسالة الإنجيل.         

في الواقع، لقد تسببت هذه المشكلة في خلق فرقة كبيرة بين المؤمنين، وصار المؤمنون بعقيدة سيادة الله في الاختيار يجدون صعوبة بالغة في مشاركة من يرفضون نفس العقيدة في العمل المرسلي، عامة، والكرازي، خاصة. وبنفس القدر من الصعوبة، يجد المؤمنون بضرورة الكرازة العمل مع المؤمنين بعقيدة الاختيار أمرًا غير مقبول. وجعلت هذه المعضلة كثيرين من المؤمنين ينفصلون عن بعضهم البعض، ويشهد التاريخ عن رجال عظماء تركوا العمل المشترك بسبب هذه الأزمة.

وتدور في ذهن الكثيرين عدة أسئلة، في هذا الشأن. "كيف يمكن أن نكرز إن كان الله قد اختار البعض للحياة الأبدية؟" أو بالأحرى، "لماذا نكرز، أصلاً، إن كان الله قد عيّن البعض للخلاص؟" "ألا يستطيع الله يأتي بهم إلى معرفة المسيح سواء كرزنا أو لم نكرز؟" "وما الفائدة من الكرازة، إن آمنا بالاختيار؟" "أيصح أن نختار بينهما؟" "وهل يمكن المصالحة بينهما؟" "وإن كانت المصالحة ممكنة، فكيف تكون؟" "هل فعلاً الاختيار يعوق العمل الكرازي؟" "أو هل يمكن أن يستقي العمل الكرازي من الاختيار دفعة إلى الأمام، وسببًا في النجاح؟" "هل نجد في التاريخ—الكتابي أو الكنسي—كارزين آمنوا بعقيدة الاختيار؟" "أو هل وضع هؤلاء الاختيار جنبًا، ليكرزوا برسالة الإنجيل؟"

يحاول كاتب هذه السطور أن يجيب على هذه التساؤلات؛ إذ هو يؤمن بيقينية اختيار الله للبعض وتعينهم للحياة الأبدية، وفي ذات الوقت يؤمن بضرورة القيام بالعمل الكرازي وحتميته كتتميم لوصية المسيح يسوع التي تركها للكنيسة. وإذ يحاول الكاتب معالجة هذا الموضوع، فثمة نقاط يجب التركيز عليها أولاً.

 

أولاً: الاختيار حقيقة اختبارية لا يمكن إنكارها

إن المؤمنين بعقيدة الاختيار من خلفية الفكر المصلح يختلفون عن غيرهم من المؤمنين بنفس العقيدة من خلفية أرمينية، ويؤمن اللاحقون بأن أساس الاختيار إنما هو معرفة الله السابقة بأن فلانًا سيسمع رسالة الإنجيل ويتجاوب معها، وهكذا اختاره الله لأنه هو الذي سبق واختار الله. ولكن بغض النظر عن "أساس" عقيدة الاختيار، فمعظم الـﭘروتستانت يؤمنون بها كحقيقة لا يمكن إنكارها. الاختيار واقع، كلنا اختبرناه. وكلنا، حين نركع لنشكر الله لأجل خلاصنا، لا نقول "أشكرك، يارب، لأني اخترتك." بل نقول، حتى بدون التفكير في عقيدة الاختيار، لا من جهة الفكر أو الأساس، "أشكرك يارب، من أجل فيض نعمتك واختيارك لي للحياة الأبدية." كلنا نؤمن بالاختيار إن نظرنا إليه لا كموضوع جدلي، تستحوذ عليه قاعات كليات اللاهوت، ويناقشه اللاهوتيون، وعلماء الكتاب المقدس. ولا يتحدث الكتاب المقدس عن الاختيار من هذا المنظور إطلاقًا. بل يقدمه على أنه موضوع لتعزية المؤمنين، وتشجيعهم، وتأكيد على نعمة الله المتفاضلة في أمر الخلاص. ونخطئ، كثيرًا، إذ نتعامل مع أمر الاختيار من منظور "جدلي." الاختيار موضوع تعبدي، تقوي، مقصود به تمجيد الله على نعمته، وتأكيد "مجد" الإنسان، المستعادة إليه صورة الله.        

إذًا سواء كنا نؤمن بالاختيار غير المشروط، المبني على نعمة الله فقط، أو الاختيار المؤسس على سبق معرفة الله، فليس هناك من يختلف على الحقيقة ذاتها. كلنا نقر بها حين نركع على ركبنا!

 

ثانياً: الكرازة حتمية لا يمكن تجنبها

بنفس قدر وضوح عقيدة الاختيار في نصوص الكتاب المقدس، هكذا نجد التعليم الخاص بضرورة الكرازة، إذ هي حياة الكنيسة، وطريقتها الأكثر فعالية للتعبير عن محبتها للمسيح، وطاعتها له في المأمورية العظمى، ومحبتها للعالم من حولها، وخروجها من ذاتها. لا مفر من الكرازة أمام كل مؤمن يطيع صوت المسيح، ولا مفر للكرازة أمام كل كنيسة ترغب في إعلان رسالة الإنجيل، والمصالحة مع الله أمام العالم. بالكرازة، يسطع نور الإنجيل ليضئ للجالسين في الظلمة وظلال الموت، وبها أيضًا يعطي الروح القدس حياة، وخلاصًا للذين هم أموات بالذنوب والخطايا. وليست الكرازة هي حياة الكنيسة فحسب بل هي ضمان تجددها، وبرهان طاعتها للمسيح—الرب.

الآن، إن كان الاختيار حقيقة، وإن كانت الكرازة ضرورة، فما طريق المصالحة بينهما؟ "كيف نكرز ونؤمن بالاختيار في ذات الوقت؟" يرى كاتب هذه السطور أن طريق المصالحة هذا يبدأ حين نلتفت إلى مجموعة حقائق، منها:

 

1- إن الاختيار لا يناقض الكرازة

لا يقف الاختيار عائقًا أمام العمل الكرازي؛ بل على العكس، الاختيار يحفز الكرازة ويضمن نجاحها، وإثمارها. إن الاختيار يؤكد على أن الكارز لابد سيكون ناجحًا في رسالته، حتى حين يواجه التحديات، والصعوبات، والرفض، والثمر القليل. وبدون الاختيار لن ينجو أحد، ولن ينال أي شخص خلاصًا من الله؛ إذ أن الكل ميت بالذنوب والخطايا، وإله هذا الدهر أعمى، ومازال يعمي، أعين الكثيرين لئلا يروا نور الإنجيل. الكل ميت، بدون الاختيار. الكل هالك، بدون سبق عمل نعمة الله. لكن، لأن الله قد سبق وأحب، وسبق وعيّن الكثيرين للحياة الأبدية، ولأن الكارز خرج ليكرز، فلسوف يصحب الروح القدس كلمات الكارز ليقيم من الموت المختارين من بين مستمعيه. فالاختيار يضمن نجاح الكرازة.  

وليس من المطلوب أن يسعى الكارز وراء معرفة "المختارين" أو "المرفوضين" من بين سامعيه.[1] هو أصلاً لا يعرف "المختار" أو "المرفوض." بل هو مطالب أن يعلن رسالة المصالحة، ومحبة الله للكل دون تحيز، ولا استثناء، ولا ما شابه. وبالتالي، فعلى الكارز أن يقدم، وبكل حماس، وجدية، وفعالية رسالة الإنجيل والتي تبدأ بمعلومات حول ما صنع الله—تعالى—في شخص المسيح، إلى أن تنتهي بتقديم الدعوة كي يضع الإنسان ثقته في المسيح كمخلصٍ وفادٍ.

إن هذه الأمور لا يجب، في أي حال من الأحوال، أن تقدم بطريقة "مملّة،" وكأنّ الكارز يقول، "هذه مجرد طريقة الله للخلاص. إن كنت تؤمن، فحسنًا تفعل. الأمر سيتوقف في البداية والنهاية على عقيدة الاختيار." هذا مللٌ، ما بعده مللٌ! الكارز الذي يسعى بالفعل لإعلان رسالة الخلاص، يقدم، وبكل حماسة وتحفيز، محتوى الرسالة، ويطالب المستمع أن يضع (هنا والآن) ثقته في يسوع المسيح، الطريق، والحق، والحياة، لينال الخلاص، ويتغير قلبه من القلب الحجري للقلب اللحمي. ويطالب الكارز المستمع أن يتوب عن طرقه الملتوية الشريرة، سالكًا في طريق النور، وجدة الحياة. إذًا، الاختيار هو ضامن نتيجة العمل الكرازي. بل إن سيادة الله في الاختيار تؤكد على أن الكرازة ستكون ناجحة، ومثمرة.[2]

وكذلك، فالواقع يؤكد على أنه بدون الإيمان بسيادة الله لا يمكن تصور الكرازة على أنها عمل ناجح. على الكارز أن يضع في ذهنه دائمًا أن "مجرد" الكلمات لا تعني شيئًا حين تقع على أرض محجرة؛ وأن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله؛ وأنه لا يمكن لأحد أن يقول أن يسوع رب إلا بالروح القدس. ما لم يمد الله يده، وبنعمته يسبق ويضع الإيمان في القلب، لن تنجح أية كرازة. بكلمات أخرى، كما يقول ﭼـيمس باكر، في رائعته Evangelism and the Sovereignty of God"إن لم يكن هناك عنصر إلهي يفوق كل قدرة الكارز ومجهوده، فكل العمل الكرازي محكوم عليه بالفشل، لا محالة."[3]

كما أن الكارز الذي يسعى بحق ليرى أثمارًا إنما يعلن للمستمع سر الإنجيل طالبًا منه أن يتجاوب وأن يضع ثقته كاملة في شخص المسيح. وفي نفس السياق يؤكد الكارز، بل يتأكد أن الله يعطي الإنسان ما يطلب الإنسان ذاته.[4] على الكارز أن يؤكد هذا الأمر، ويؤكد للمستمع أنه إن رغب بحق في نوال الخلاص الذي يقدمه المسيح، فالمسيح لن يخرجه خارجًا.          

  

 


[1]J. I. Packer, Evangelism & Sovereignty of God(Downers Grove, IL, Inter-varsity Press, 1991), 99.

[2]Ibid., 106.

Ibid., 109.  [3]

[4]Ibid., 105.